بقلم: صبحي حديدي
صحيفة القدس العربي 26/09/2008
كانت مفردة ‘الثقة’ هي الركيزة الكبرى، وربما الوحيدة، التي بدا الرئيس الأمريكي جورج بوش وكأنه يتكئ عليها في تسويغ برامج التدخّل الحكومي الواسعة، الهادفة إلى انتشال المصارف الأمريكية والبورصات والأسواق المالية من هوّة الكارثة. المفردات الأخرى غابت عن خطابه بالطبع، ولن نعثر عليها، خبيثة أو كسيحة أو سخيفة، إلا في [...]
أرشيف ‘مقالات مُـختارة’ التصنيف
مأزق الرأسمالية المعاصرة: أصولية السوق واشتراكية الأثرياء
أضيفت في مقالات مُـختارة 26 سبتمبر, 2008 | Leave a Comment »
من يتساقط أوّلا: النّـظام الاقتصادي الأمريكي أم العولمة؟
أضيفت في مقالات مُـختارة, موسوم الاقتصاد الأمريكي، العولمة، الراسمالية، الدول الصّناعية، الأزمة المالية الأمريكية 22 سبتمبر, 2008 | Leave a Comment »
هل يعرف عالم اليوم ماذا يحدث له، ليس العرب والمسلمون وحدهم من يُمنع عنهم معرفةُ أحوالهم الحقيقية. لكن يبدو أن المجتمعات الغربية المصنفة عادة في خانة الأرقى من نخب الإنسانية، قد أمست من أكبر ضحايا التجهيل. وبالطبع تبرز أمريكا زعيمة هذا الغرب، كأعظم مصنع للتضليل المنظم.
وتقع أفاعيل هذا التضليل على وعي مجتمعها أولاً، ومن ثم تنجر وراءها أوروبا، وبقية المعمورة. فالحدث المسيطر على الإعلام الراهن يتعلق بإفلاس البنوك الكبرى الممسكة بتلابيب الأرقام الفلكية للأموال. ويسمي الإعلام هذه الظاهرة أنها مجرد أزمة سيولة افتقرت إليها هذه البنوك هكذا فجأة، وهي المالكة أصلاً لأعظم ثروات الدنيا. بينما في واقع الأمر هو أن النظام (الفلسفي) الضمني الذي يقوم عليه كيان الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي العالمي، هو المهدد بالانهيار. فليست هي أزمة سيولة، ولا هي أزمة إدارة فاسدة لأرباب البنوك. ليست مجرد عارض أو خلل في آلية اقتصادية هائلة قادرة على استيعابه بسرعة، والحد من أضراره المباشرة، كما تحاول عناوين الصحافة التي تضطر للتلميح إلى الكارثة، ولكن في سياق معالجتها وتجاوزها. وقد تعتذر عن كشف الهول الحقيقي تجنباً لإثارة ما هو أعظم، أي ذلك الهلع (الهستيري) الذي يتسبب في إسقاط الهيكل الاقتصادي ككل. فما يخشاه أرباب الهيكل هو فقدان الثقة بآلهته. لكن هؤلاء الآلهة هم المنشغلون حالياً بالتضحية ببعضهم افتداء لبعضهم الآخر: يعاقبون الخاطئين منهم بإلغائهم، وطردهم من الحظيرة. إذ يصبح الخاطئون هم الأضعف الذين ينبغي أن يزيلهم الأقوى قبل أن يتضعضع النظام الذي يحمي الجميع، ولكنه مضطر كذلك إلى استثناء المخلين بقوانينه، المختلة والمخادعة هي أصلاً.
فهل هذه هي الحقيقة فعلاً، ذلك هو السؤال الذي تتحاشاه حتى الآن معظم مصادر الضخ الصحافي الرئيسية، وإن راحت بعض المنابر الفكرية تتدخل بشكل هامشي وخجول في محاولة لتوضيح بعض العلل البنيوية في المؤسسة المصرفية بصورة عامة. فهي التي أصبح لها الدور المركزي في دينامية الرأسمالية المنخرطة في حقبة العولمة؛ وذلك بديلاً عن المؤسسة الإنتاجية التي هي عماد الاقتصاد الحديث، أياً كان نوعه حراً أو موجهاً. فالتحول البنيوي العميق الذي أصاب الاقتصادات المحلية في معظم الدول الصناعية، ليس هو في سيطرة السوق كما تدَّعي العولمة، بل في تجريد السوق من أساس العملية الاقتصادية القائمة على الإنتاج وتبادل السلع، وإحلال عمليات المضاربة بالأسهم والسندات مكانه فيما يعتبر بمثابة السوق الفضائي الأعلى المتحكم بالأسواق العادية التقليدية، ما فوق آلياتها المشخصة المعروفة منذ نشأة الجماعة البشرية. فالمال الذي يشتري ويبيع البضاعة أمسى هو البضاعة، يشتري ويبيع نفسه عبر رموزه من الأسهم والسندات. أي أن الصيرفة بمعناها المباشر اختزلت الاقتصاد بكل عملياته الحركية ومفاهيمه النظرية، وحين تهتز بعض بيوتاتها يُصاب الاقتصادُ نفسه بالزلزلة المعممة. وعلى هذا ليس الإفلاس مجرد مرض موضعي أو محلي، ويمكن تحديد أضراره بحذف العضو الساقط أو الفاسد من الجسد الأصلي الذي هو السوق. فالصيرفة قضت على السوق أصلاً. وما يتساقط من بيوتاتها إنما هي من ثمرات موت السوق وقتل ميزاته الأساسية تحت اسميْ الحرية والشفافية. فلا معنى للحرية، للتنافس الموضوعي في ظل الاحتكارات الرأسية الحادة. ولا نور للشفافية تحت سُجُف التضليل الإعلامي، المُشترى والمباع بين أيدي أقطاب الاحتكار أنفسهم.



